بقلم رجل أعمال سعودي: الشخصية السوداني عندها الكفاءة ولكن خجولة

هل التواضع السوداني فضيلة، أم عائق؟

تعاملت مع كثير من السودانيين في الخارج “بالأخص في الخليج” ولاحظت نمط متكرر بشكل لافت، كفاءة عالية، تعليم ممتاز، أخلاق رفيعة ولكن حضور خافت، وثقة أقل مما ينبغي.

السوداني من أكثر الأشخاص كفاءةً وتأهيلًا في سوق العمل، علميًا ومهنيًا “بالأخص السوق الخليجي” ومع ذلك يختار طوعًا أو دون وعي أنه يبقى في الظل، غير ظاهر بقدر ما يستحق، وغير مستثمر لما يمتلكه من قدرات أو فرص.

كذلك كثير من السودانيين عندهم دوائر علاقات ثرية وممكن تخلي حياتهم المهنية أكثر يسر وسلاسة، ومع ذلك ما عندهم مبدأ الاستفادة أو توظيفها، والمفارقة أنه الشخص السوداني نفسه قد يكون أول من يهبّ لتلبية نداء الآخرين وخدمتهم متى ما طُلب منه ذلك.

السمات دي بتظهر بوضوح أكبر عند جيل الثمانينيات والتسعينيات، وهو جيل تأثر إلى حد كبير بأنماط تربوية مثبِّطة، كثير منها نشأ داخل الأسرة والبيئة الاجتماعية، وغالبًا ما ارتبطت بمشاعر خفية أصلها ضعف تقدير الذات (Low self-esteem).

من الأنماط التربوية المثبِّطة هي التربية على التواضع المفرط، كثير مننا تربى على أن إظهار الإنجاز أو الحديث عن القدرات يُعد نوع من التفاخر أو الغرور، ومع مرور الزمن يتحول الحذر إلى عادة نفسية تمنع السوداني من إبراز نفسه حتى في السياقات المهنية التي تتطلب ذلك.

ثانيًا:

التواضع يعتبر قيمة عالية في مجتمعنا السوداني ولكن الإفراط فيه تحول تقليل من الذات وخوف من إبراز الإنجاز.

والخوف من النقد الاجتماعي عند المجتمع السوداني جعل الفرد يخاف أنه يُتَّهم بالاستعلاء أو التفاخر، لذلك يختار البقاء في مساحة آمنة بعيدة عن الضوء.

ثالثًا:

ضعف الشعور بالاستحقاق، بعض الأشخاص عندهم قدرات عالية لكنهم داخليًا يشعروا بأنهم ما يستحقوا الفرص أو التقدير، وهي ظاهرة (Impostor syndrome) لم الفرد يشك في كفاءته رغم الأدلة الواضحة على نجاحه وهي ظاهرة مرتبطة بالمجتمع السوداني بصورة مُخيفة جدًا.

رابعًا:

تشوه مفهوم العلاقات المهنية، نتيجة الخلط الشائع بين “استثمار العلاقات” و“استغلال الناس” مع إن الحقيقة هي أن العلاقات الإنسانية سواء كانت عملية أو عاطفية أو اجتماعية، بل حتى علاقتك بأهلك بتقوم بطبيعتها على تبادل المنافع “نفسية، ومعنوية، ومادية، ومهنية” وده شيء طبيعي في كل المجتمعات.

خامسًا:

تعلق السوداني بالصورة النمطية المتداولة عنه في كثير من البيئات خارج السودان، وهي صورة بتقدم السوداني غالبًا بوصفه إنسان هادئ، متواضع، قليل الصخب، ميال للخدمة ومساعدة الآخرين، ورغم أن كل الصفات دي قد تظهر حميدة في أصلها، إلا أن تكرارها حولها لقالب ثابت وسجن للشخصية السودانية.

و الإرث التاريخي للهجرة والعمل عند الشخصية السودانية ممكن ألخّصه في: “العامل الجاد الصامت”.

كيف أثرت الصورة النمطية؟

في علم النفس الاجتماعي عندنا ظاهرة إسمها (Stereotype threat) وهي أن الإنسان ممكن يتصرف دون وعي بما يتوافق مع الصورة النمطية المرتبطة بجماعته، وإذا كانت الصورة السائدة بتقول إن السوداني “متواضع أكثر من اللازم” أو “لا يسعى للواجهة”، الطبيعي إنه يبدأ في تبني السلوكيات دي وبدون وعي ويتصرف على أساسها.

كذلك تكرار الصورة بشكل ظاهرة نفسية إسمها (Internalized stereotypes) أي أن الفرد يتبنى الصورة النمطية عن نفسه وجماعته ويجعلها جزء من هويته، ومهم حقق في حياته العملية من إنجازات الطبيعي إنه يختار البقاء في المساحة الآمنة بعيدًا عن الضوء لأن الظل بالنسبة ليه مألوف وما سواه يعتبر تهديد لهويته.

والنتيجة هي، كفاءة موجودة، وتعليم موجود، وقدرات عالية، لكن التسويق الذاتي وإدارة العلاقات المهنية أضعف مما ينبغي، لذلك قد تشوف إنجازات السوداني بارزةً جدًا، لكنك نادرًا ما تشوف السوداني نفسه في الواجهة.

تشوف أثره في العمل، في الفكرة، في المشروع، وفي النتائج، لكن اسمه غالبًا يأتي في الخلف، وصوته أقل حضورًا مما يستحق.

العالم المهني اليوم ما بكتفي بالكفاءة وحدها فقط،

فالكفاءة نفسها محتاجه لحضور، والإنجاز محتاج لتعريف، والعلاقات تحتاج إلى إدارة واعية.

الظهور المهني مش غرور، والتعريف بالإنجاز مش تباهي، بل هو جزء طبيعي من أخذ الإنسان مكانه اللي يستحقه.

أخيرًا سعيد جدًا بنجاح الصديق العزيز Mubarak Jafar وأبارك له هذا الإنجاز العظيم الذي يستحق أن يحتفى به، وعلى كسره لهذه الحلقة النفسية اللي كثيرًا ما تُقيّد الكفاءات السودانية.

فخور بأن أراه يتألق بالزي السوداني، حاضرًا بثقته وهويته، ومثبتًا أن الكفاءة حين تقترن بالثقة والحضور، تفرض مكانها طبيعيًا. مبارك لك يا صديقي، وإلى مزيدٍ من التألق.

#محمد_آدم

زر الذهاب إلى الأعلى