هاجر سليمان تكتب: من الذي يتلاعب بالسوق؟
مقالات الرأي

كتبت هاجر سليمان:
في مشهد اقتصادي بالغ التعقيد، تتسارع وتيرة ارتفاع الأسعار بشكل لافت، لتفرض واقعاً معيشياً قاسياً على المواطنين، حيث لم تعد الزيادة في تكلفة السلع والخدمات مجرد أرقام عابرة، بل تحولت إلى أزمة يومية تمس أساسيات الحياة. وبينما تتصاعد حدة الغلاء، يبرز سؤال جوهري: من الذي يتلاعب بالسوق؟
الواقع الحالي يعكس قفزات غير مسبوقة في أسعار السلع الاستهلاكية، حتى وصل الأمر إلى أن أربع أرغفة خبز فقط باتت تُباع بألف جنيه، وهو مؤشر صادم يعكس حجم التدهور الاقتصادي، ويؤكد أن موجة التضخم لم تبلغ ذروتها بعد، بل مرشحة لمزيد من التصاعد خلال الفترة المقبلة.
اقتصاد بلا بوصلة
يرى مراقبون أن جذور الأزمة لا تتعلق فقط بعوامل خارجية، بل تمتد إلى الداخل، حيث يغيب التخطيط الاقتصادي الواضح، وتفتقر الدولة إلى سياسات فعالة تمكنها من إدارة الأزمات وامتصاص الصدمات العالمية. هذا الفراغ في الرؤية الاقتصادية يترك السوق مفتوحاً أمام قوى غير منظمة تتحكم في الأسعار دون ضوابط حقيقية.
في ظل هذا الواقع، تتحول الأسواق إلى مساحة خصبة للمضاربات، حيث تتداخل المصالح التجارية مع ضعف الرقابة، ما يؤدي إلى تضخم متسارع يرهق كاهل المواطن ويقوض الاستقرار الاقتصادي.
أزمات مركبة تضاعف المعاناة
ولا تقف الأزمة عند حدود السلع الغذائية، بل تمتد إلى قطاعات حيوية أخرى، حيث تعاني البلاد من نقص حاد في الوقود وإغلاق عدد كبير من محطات الخدمة، إلى جانب ارتفاع أسعار غاز الطهي بصورة غير مسبوقة، إذ بلغ سعر الأسطوانة مستويات تعادل دخل شهر كامل لبعض الموظفين.
هذه الأزمات المتداخلة تعكس خللاً هيكلياً في إدارة الموارد، وتكشف عن غياب التنسيق بين السياسات الاقتصادية والاحتياجات الفعلية للسوق.
مافيا السوق أم فشل إداري؟
في خضم هذا المشهد، تتصاعد الاتهامات بوجود ما يشبه “مافيا السوق” التي تستغل الأوضاع الراهنة لتحقيق أرباح ضخمة على حساب المواطن، مستفيدة من غياب الرقابة وتراخي الجهات المعنية. لكن في المقابل، يرى آخرون أن المشكلة أعمق، وتتعلق بفشل إداري وهيكلي في إدارة الاقتصاد بشكل عام.
كما أن التأثيرات الإقليمية، مثل الحروب وإغلاق الممرات الحيوية، تلقي بظلالها على الاقتصاد المحلي، ما يزيد من تعقيد المشهد ويصعب من مهمة السيطرة على الأسعار.
الحاجة إلى تدخل استراتيجي عاجل
أمام هذا الواقع المتأزم، تبدو الحاجة ملحة لتدخل حكومي فاعل يعيد ضبط إيقاع السوق، من خلال تبني سياسات اقتصادية واضحة، وتعزيز الرقابة على الأسواق، وضمان توفر السلع الأساسية بأسعار معقولة.
كما يبرز خيار الاستفادة من الموارد الوطنية، مثل احتياطي الذهب، كأحد الحلول الممكنة لدعم توفير السلع الاستراتيجية، بدلاً من ترك الأسواق رهينة للمضاربات وتقلبات العرض والطلب.
في نهاية المطاف، تبقى الأزمة الحالية اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على إدارة اقتصادها في ظل التحديات، وعلى حماية مواطنيها من موجات الغلاء المتلاحقة، في وقت تتطلب فيه المرحلة قرارات جريئة ورؤية استراتيجية شاملة تعيد التوازن للأسواق وتضع حداً للفوضى المتصاعدة.







